سيد محمد طنطاوي
324
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبعد أن ذكر - سبحانه - الأساس في قبول الأعمال ، وهو إخلاص العبادة له - عزّ وجل - وحده ، أتبع ذلك بتأكيد هذا الأساس بما هو من شرائط الإيمان الحق وشعائره فقال - تعالى - * ( وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه ، وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . ) * . قال القرطبي ما ملخصه : * ( قَضى ) * أي : أمر وألزم وأوجب . . . والقضاء يستعمل في اللغة على وجوه ، فالقضاء بمعنى الأمر ، كما في هذه الآية والقضاء بمعنى الخلق كقوله فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ يعنى خلقهن ، والقضاء بمعنى الحكم ، كقوله - تعالى - : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ يعنى : احكم ما أنت تحكم . والقضاء بمعنى الفراغ من الشيء ، كقوله قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيه تَسْتَفْتِيانِ أي فرغ منه . والقضاء بمعنى الإرادة . كقوله - تعالى - : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَه كُنْ فَيَكُونُ . . « 2 » . والمعنى : لقد نهى ربك عن الإشراك به نهيا قاطعا ، وأمر أمرا محكما لا يحتمل النسخ ، بأن لا تعبدوا أحدا سواه ، إذ هو الخالق لكل شيء ، والقادر على كل شيء ، وغيره مخلوق وعاجز عن فعل شيء إلا بإذنه - سبحانه - . فالجملة الكريمة أمر لازم لإخلاص العبادة للَّه ، بعد النهى عن الإشراك به في قوله - تعالى - : * ( لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ . . ) * . وقد جاء هذا الأمر بلفظ * ( قَضى ) * زيادة في التأكيد ، لأن هذا اللفظ هنا يفيد الوجوب القطعي الذي لا رجعة فيه ، كما أن اشتمال الجملة الكريمة على النفي والاستثناء - وهما أعلا مراتب القصر - يزيد هذا الأمر تأكيدا وتوثيقا . ثم أتبع - سبحانه - الأمر بوحدانيته ، بالأمر بالإحسان إلى الوالدين فقال : * ( وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) * . أي : وقضى - أيضا - بأن تحسنوا - أيها المخاطبون - إلى الوالدين إحسانا كاملا لا يشوبه سوء أو مكروه .
--> ( 2 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 237 .